أبو قردان بين السرد والسينما ... بقلم الدكتور رمضان الحضري

 



أبو قردان بين السرد والسينما

*****


قراءة لرواية (أبو قردان) للكاتب الدكتور الروائي/ هشام أبو النجا.


*****

الرواية دولة كاملة من الكلمات والمفردات والشخصيات والحدود والعلاقات الداخلية والخارجية، وقد اخترعت هذا التعريف الذي أكتبه بيدي وأنا كاره له، فلست أكره كلمة في حياتي قدر ما أكره كلمة (دولة)، لأنها المصطلح الذي يعطي الحق للظالم أن يظلم ويضع العقاب على المظلوم ليدخل السجن، ويعطي حق الكادح لمن يستمتع به وكله باسم دستور وقانون وضعه الأقوياء ليتمكنوا من استخدام الضعفاء وإذلالهم.

تقدمة سيئة لرواية رائعة، حيث إن الكاتب الدكتور الروائي هشام أبو النجا كتب روايته بعنوان (أبو قردان)،

 كحالة فنية روائية، وكان يكتبها كلمة كلمة وهو يقف في المنتصف تماما من كل شيء، فهو يقف في منتصف الكرة الأرضية، ومنتصف التشكيل الروائي الفني، ومنتصف الحكي، ومنتصف التاريخ الحديث.

اختار اسم أبو قردان بالتحديد لما يمتلك هذا الاسم من دلالاتٍ أسطوريةٍ كبيرةٍ، فهو من سلالة طائر الأبيس وأبو منجل ومجموعة الطيور التي تعيش في المنتصف بين الماء واليابسة، وحينما اكتشفت الآثار المصرية جبانة تونة الجبل بمحافظة المنيا وجدوا عددًا كبيرًا من طائر أبو قردان محنطًا كتحنيط الإنسان تمامًا، حيث كانت له قداسة عند قدماء المصريين حتى نسبت له الحكمة والكتابة، حيث إنه حينما يلتقط الديدان بمنقاره من الأرض يلتقطها في شكلٍ كأنَّه يكتب على الأرض.

ولا شكَّ في أنَّ الطائر الذي يجيد الكتابة ربما أجاد الحديث، وقد كان ابن سيرين وابن إياس وغيرهما من مفسري الأحلام يرون أن رؤية أبو قردان في المنام دليل على تحقيق الأماني والرفعة والزواج للعانس، والكسب للتاجر والفقير، فهو رؤية حسنة إذا لم يره النائم يأكل من رأسه.

وأبو قردان من فصيلة أبو فصادة والهدهد، وهذا ما جعل السرد يشير إلى حادثة الهدهد مع سليمان في أكثر من موضع، كمبرر لحديث أبو قردان مع حسونة، ونقل الأخبار له كشأن الهدهد، وصدقه مع حسونة كصدق الهدهد، لكن أبو قردان في النص السردي أكثر أهمية لحسونة من الهدهد لسليمان، والهدهد معتقد إسلامي، بينما أبو قردان مُعْتَقَدٌ مصري قديم؛ ربما هذا ما جعل أبو قردان مادة خصبة للفنون، فكتب كثيرون قصصا للأطفال بطلها أبو قردان وهذه رواية بها بطولة ليست مطلقة لأبي قردان، وها هو الفنان التشكيلي الكبير عبدالوهاب عبدالمحسن يقيم معرضا للفن التشكيلي بعنوان (قُرب الماء)، وجميع لوحاته عن أبو قردان.

من يدلف للنص السردي سوف يجد نفسه مع أهل قرية الرملة التابعة لمحافظة المنوفية، وقد ذكرها محمد رمزي في كتابه (القاموس الجغرافي للبلاد المصرية) وأنها مذكورة بهذا الاسم منذ عام 1813م على وجه التقريب ومساحتها 1200 فدان تقريبا، وهي تختلف عن قرية الرملة التابعة لمحافظة القليوبية، وتختلف عن مدينة الرملة الفلسطينية القديمة التي أنشأها عبد الملك بن مروان في فلسطين عام 716م وهذا أقدم اسم لمكان سكني باسم الرملة وهي على مسافة 40كم من الشمال الغربي لمدينة القدس الشريف.

وقرية الرملة التابعة لأشمون منوفية هي ذات القرية التي جرت فيها أحداث فيلم الأرض التي كتبها عبدالرحمن الشرقاوي، واعترض عليها الدكتور لويس عوض بزعم أن الشخصيات ليست واقعية، وهؤلاء ليسوا فلاحي مصر، ورد عليه الشرقاوي بأنه لا يعرف شيئا عن الفلاحين وأنه ابن قرية من قرى المنوفية وعلى استعداد لاستضافة عوض الفترة التي يريدها للتعرف على الفلاحين في محافظة المنوفية، وليعرف أن شخصية محمد أبو سويلم شخصية حقيقية ولا زالت حية وهو شيخ قرية العجايزة المجاورة لقرية الرملة.

رواية أبو قردان تتوسط الفن والمجتمع، فليس هناك حد فاصل بين الفن ككيان اجتماعي، وبين المجتمع كحقيقة فنية مهمة ومؤثرة، والفارق بين قدرة المجتمع في التأثير على الفن وقدرة الفن على التأثير في المجتمع هو الخطاب السردي ولا شيء غيره، فالخطاب هو المحدد الرئيس لمناطق المجتمع المؤثرة في الفن، ولتشكيل الفن القادر على تغيير وجهة نظر المجتمع، وهذا ما قام عليه نص أبو قردان السردي.

فالكاتب يرى أن اندماج الممثلين والمخرج في وجودهم على الأرض له ذات القدرة في حماية الأرض بالتمثيل كحمايتها في الواقع، وأن أهل القرية كانوا يبكون لمعاناة محمد أبو سويلم الشخصية الفنية وزاد خوفهم على أرضهم بعد رؤيتهم المشاهد الفنية، فاختلط الفن بالواقع وأصبح الفن والواقع شيئاً واحدا.

فالأرض هي القلب والوجدان والمشاعر، ومن يقبل تجريف الأرض يقبل تجريف الشعور والعلوم والأفكار، ومن يقطع شجرة يستظل بها الرائح والغادي فإنه يزيف تاريخا ويقتل حياة كانت ستستمر تحت هذه الظلال.

دوما يضع المزيفون حججا لإقناع العامة، ويظنون ان العامة قد اقتنعوا، والحق أن العامة يشعرون بالهزيمة فيصمتون ولكنهم غير مقتنعين، فمن يقطع الأشجار العتيقة على ضفاف الترع يبرر القطع بتطهير الترع وتنظيفها، ومن يجرف الأرض يبرر بضرورة تسويتها بأرض الجيران، ودوما الفائز هو الحملاوي، رجل الأعمال المستغل لحاجة الفقراء للمال، فيدمر الأرض ليتكسب هو، ولا يعنيه الحلال والحرام ولا النفع والضرر.

جاء فيلم الأرض ليبث الروح مرة أخرة في أمة مهزومة هزيمة كبيرة من مجموعة من شواذ البشر وكيان ضعيف تساعده كل الأمم لإهانة العرب، ففلسطين عربية وأرض محتلة، وليس الاحتلال لأرض فلسطين، بل هو احتلال واعتداء على الشرف العربي كله من الماء إلى الماء، والجرح مستمر في النزف من بدء النص السردي وحتى منتهاه.

والحكومات العربية لها رأي يختلف عن رأي الشعوب، والحكومات ليست لديها مشاعر، فهي تحقق مصالح أفرادها لا قضايا شعوبها ، سها فتاة فلسطينية تدرس في قسم العمارة بكلية الهندسة بجامعة القاهرة، بنفس عمر وقسم وكلية حسونة، وبنفس العمارة، وبنفس الطابق، لا شيء يمكن أن يفرق بينها وبين حسونة على الإطلاق، حتى أهلها من فلسطين هم ناس طيبون كأهل حسونة في مصر، وتمت الخطبة وقراءة الفاتحة، لكن أنور السادات وياسر عرفات والدول العربية تختلف، فقد حدثت اتفاقية كامب ديفيد، وتخرج بنت فلسطين لتكمل تعليمها بعمان الأردن، ويبقى خطيبها بمصر، وكلاهما يعبر عن شعبه وعاداته وتقاليده ووفائه، فحسونة وفيٌّ ويبقى على العهد خمسة وعشرين عاما، وسها وفية وتبقى على العهد، وكذا شعوب العرب أوفياء لبعضهم البعض، أوفياء لأرضهم كلها من المحيط إلى الخليج.

ينتهك المحتل الغاصب شرف سها، ماذا يتبقى لحسونة غير الاخذ بالثأر؟!

تسير الرواية على ضفاف المشهدية، والعرض بلغة أكثرها عامية، وقدرة لا تبارى للكاتب على المزج بين العامية المصرية والعامية الفلسطينية، فكل مشهد سينمائي كامل السيناريو والحوار والزمان والمكان والإضاءة والحركة والمسافة، ولا ينقصه سوى الكاميرا فقط.

يقدم النص السردي مجموعة من الدلالات التشكيلية والمكانية والزمانية والاجتماعية والثقافية واللغوية.

فاللغة الريفية الفلاحية لقرية الرملة والقرى المجاورة جعلت النص حقيقيا لدرجة توهم المتلقي بالصدق التام، فضلا عن شيفونية السرد مع أبناء المنوفية وذكائهم وطيبتهم ودرء الإشاعات عنهم.

ويقارن السرد بين فن التمثيل الحقيقي الذي يؤدي وظيفته على يد المليجي والعلايلي ويحي شاهين وحمدي أحمد وعلي الشريف ونجوى إبراهيم والمخرج جو وبين مدعي التمثيل في وقتنا الحاضر، فوظيفة الفن لا تقل أهمية عن زراعة الأرض، وظهور الفيلم لا يقل أهمية عن حصاد المحصول، ومسئولية العمدة لا تقل أهمية عن مسئولية وزارة التموين ووزارة التضامن ووزارة التعليم.

ويقدم السرد دلالات اجتماعية عن زواج المصري بفلسطينية فتفرقهما معاهدة سلام مصري مع إسرائيل، كما أن الانفتاح الاقتصادي يجعل الشيخ عبدالمجيد يبيع تراب أرضه ليسكن بالقاهرة، وهو الذي قال لابنه ينصحه: إذا تركت الأرض فإن الأرض سوف تتركك.

مات أبو قردان في حديقة الحيوان، هو إعلان عن موت حديقة الحيوان جميعها، وإعلان عن موت الحكمة والعلم وفن الكتابة.

هذا نص فريد ويحتاج إلى رسالة ماجستير أو دكتوراة، ليتمكن الباحث من الكشف عن الخطاب السردي، ويبحث الأزمنة الواقعية في مصر القديمة وقرية الرملة والاحتلال الإنجليزي وخطف الفلاحين للقتال في الحرب العالمية الأولى منذ عام 1914م وحتى عام 1918م والتي استشهد فيها 23 ألف جندي مصري في بلاد أوربا وهم يدافعون عن أناس يغتصبون ثرواتهم ويحتلون أرضهم ويهيمنون على مقدراتهم، وكذا الزمن الحقيقي لأحداث قرية الرملة عام 1933م حيث أراد الباشا أن يقطع الماء عن أراضي الفلاحين المستضعفين، وزمن تصوير الفيلم في عصر السادات عام 1970م ومعاهدة كامب ديفيد عام 1978م، كل هذه الأزمنة الواعية تحتاج إلى مقارنتها بالأزمنة السردية في الخطاب السردي.

كذا تحتاج الرواية إلى دراسة سميائية توضح وتكشف عن العلامات والدلالات المعجمية والنحوية والصرفية والموضوعية التي جعلتها الرواية دلالات مهمة في تفسير هذا النص.

لو كانت هناك سينما الآن في مصر لرشحت هذا النص لمخرج كبير ليقدمه كأول تناص سينمائي في تاريخ السينما العربية.

جزيل شكري للدكتور والروائي هشام أبو النجا الذي سمح لي أن أطل من شرفة سرده البستانية الشاسعة التي تمتد من جزيرة مصيرة بسلطنة عمان إلى مدينة طنجة بالمغرب العربي الشقيق، ولا يترك للعين راحة من البكاء كلما مرت العين على القدس وما حولها وما جرى لها.


...

بقلم


د / رمضان الحضري

القاهرة في 26 من يونيو 2023م.


https://www.facebook.com/profile.php?id=100001965667668&mibextid=ZbWKwL




تعليقات